ابو القاسم عبد الكريم القشيري

142

لطائف الإشارات

فلم يحتج معهم إلى تضرع واستخذاء ، ولا راودهم في سلم واستمهال ، ولم يتّصف في ذلك بركون إلى حوله وملّته ، ولم يستند إلى جده وقوّته بل قال : [ سورة هود ( 11 ) : آية 56 ] إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 56 ) أخبر أنه بموعود اللّه له بنصرته واثق ، وأنه في خلوص طاعته لربّه وفي صفاء معرفته ( غير مفارق ) « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : آية 57 ] فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 57 ) أوحينا إليه أن قل لهم : إن تولّوا ولم تؤمنوا بي فقد بلّغت ما حمّلت من رسالتي ، وإني واثق بأنّ اللّه إذا أهلككم يأت بأقوام آخرين سواكم أطوع له منكم ، وإن أفناكم ما اختلّ ملكه ؛ إذ الحقّ - سبحانه - بوجود الأغيار لا يلحقه زين - وإن وحدوا ، وبفقدهم لا يمّسه شين - وإن جحدوا وألحدوا . قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : آية 58 ] وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ( 58 ) ولما جاء أمرنا بإهلاكهم نجيّنا هودا والذين آمنوا برحمتنا ، ولم يقل باستحقاقه النجاة بوسيلة نبوته ، أو لجسامة طاعته ورسالته بل قال : « بِرَحْمَةٍ مِنَّا » ؛ ليعلم الكافة أنّ

--> ( 1 ) بعد ( معرفته ) يوجد بياض مما يدل على سقوط خبر أن وقد أكملنا النقص بكلمة ملائمة من عندنا تنفق مع السياق والنسق حسبما نعلم من طريقة القشيري .